لقاء ممثلي بعض الصحف العربية في لندن مع السيد الرئيس

السيد الرئيس محمود عباس:

خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز أيد موقف السلطة الفلسطينية في رفض توقيع وثيقة المصالحة الفلسطينية في مكان آخر غير مصر، وقال لي: إنه لا يجوز التخلي عن مصر وبيعها وأنا معك، لا يجوز أن تتخلى عن مصر وتبيعها فهذا عمل غير أخلاقي.

 

أنا مع المقاومة الشعبية، وضد انتفاضة ثالثة أو إطلاق رصاصة، لا أريد أن تدمر البلد مرة ثانية. لا وجود لضغوط عربية علينا للعودة إلى المفاوضات، وكل ما تباحث فيه العرب في واشنطن كان باقتراح من الفلسطينيين، نحن حمّـلناهم (وزراء مصر والأردن والسعودية وقطر) مقترحاتنا.

 

حول الدور الأميركي في منطقة الشرق الأوسط:

السيد الرئيس: الرئيس باراك أوباما قدم أفكارا لوقف الاستيطان، بيد أنه لم يتمكن من إقناع الإسرائيليين بوقف كامل له، وقدم موراتوريوم، هو، من وجهة نظرنا، غير مقبول إطلاقا، لأنه وقف جزئي للاستيطان مدته 10 أشهر، ويستثني القدس والكثير من المناطق في الضفة الغربية، والاتصالات الأميركية استمرت معنا ومع الإسرائيليين، وكانوا ينوون تقديم ما يسمونه (ضمانات)، وقلنا نحن بصراحة إننا لا نريد ضمانات.

 

يجري الحديث الآن عن كيفية الرجوع إلى المفاوضات، والسلطة الفلسطينية اقترحت اقتراحين: الأول، أن العودة إلى المفاوضات تتطلب أن يكون هناك "موراتوريوم" حاسم لمدة معينة بحيث يشمل القدس والضفة الغربية وكل الأراضي الفلسطينية، ويكون هناك إقرار واعتراف إسرائيلي بالمرجعية الدولية، أي حدود 1967. أما الاقتراح الثاني فيكمن في فكرة أننا وصلنا إلى، لا اقول تفاهمات، ولكننا بحثنا كل الملفات وقضايا المرحلة النهائية مع الحكومة الإسرائيلية السابقة. لكن شيئا لم يحصل.

 

الأميركيون اقترحوا الآن إجراء "مباحثات القرب"، لم نعط جوابا بشأن ذلك، وأبلغناهم أننا سنبلغهم خلال 10 أيام هل نقبل بذلك أم لا، أي بعد إجراء مشاورات مع عدد من الدول العربية والصديقة، أما من جانب آخر فإن الرئيس أوباما اقترح على بنيامين نتنياهو، رئيس وزراء إسرائيل، أن تقوم تل أبيب بخمس خطوات تروم وضع أرضية لإعادة الثقة:

 

أولا: وقف الاقتحامات في الضفة الغربية من طرف الجيش الإسرائيلي، التي تعوّد عليها، ذلك أنه لم يعد يوجد أي مبرر لها بعد استتباب الأمن فيها بشكل كامل.

 

ثانيا: إزالة الحواجز الموجودة، ذلك أنها كانت نتيجة لاندلاع الانتفاضة، والآن ليست هناك انتفاضة ولا يوجد هناك اضطراب أو فلتان أمني.

 

ثالثا: إطلاق عدد من الأسرى، إن الإسرائيليين يتفاوضون مع حماس بشأن ألف أسير مقابل جندي واحد هو جلعاد شاليط....السلطة الفلسطينية تعثر يوميا على العشرات من العجائز الإسرائيليين تائهين في أراضي الضفة وتسلمهم إلى السلطات الإسرائيلية في الحين، ونفس الأمر بالنسبة للجنود الإسرائيليين... السلطة الفلسطينية لا يمكن لها أن تلعب لعبة الاختطاف....نحن أناس مسؤولون وسلطة مسؤولة ولا يمكننا أن نلعب هذه اللعبة.

 

رابعا: تقديم مواد البناء لغزة لأن وضعها مزرٍ... المواد الإنسانية تصل إلى القطاع ولا تشكل مشكلة كبيرة.

 

خامسا: إعادة تصنيف الأراضي الفلسطينية بحيث تتيح للفلسطينيين حرية أكبر في الحركة والبناء.

 

الأميركيين لما قدموا (الخطوات) للفلسطينيين ربطوها بشروط وشروط مطلقة، والإسرائيليين أنفسهم اتصلوا بنا أكثر من مرة وقالوا لنا: اقبلوا بها.... كل تلك الأشياء موجودة في خطة خارطة الطريق..آخر لقاء مع جورج ميتشل، المبعوث الأميركي إلى الشرق الأوسط، كان حول هذا المضمون، وبالتالي لا يمكن القول إننا اتفقنا على أشياء ولم نتفق على أخرى.

 

بخصوص الاقتراح الفلسطيني حول الذهاب إلى مجلس الأمن لحسم موضوع حدود الدولة الفلسطينية وإصدار قرار بشأن ذلك:

السيد الرئيس: تم طرح ذلك في الجامعة العربية خلال لقاء للجنة المتابعة، وتم الاتفاق على أن نبحث بعمق أكثر لماذا لا نذهب إلى مجلس الأمن، لتحديد حدود الدولة الفلسطينية، ويصدر قرار بشأن ذلك؟، الرد الأولي كان من إسرائيل التي اعتبرت الفكرة الفلسطينية خطوة أحادية الجانب، هذا مع العلم أننا اقترحنا أن نعرض الأمر على أوروبا وأميركا وروسيا قبل الذهاب إلى مجلس الأمن. فهذه الفكرة موجودة في الجامعة العربية، بيد أنها خلقت ضجة دون أي مبرر.

 

الكثير من الأجهزة العربية والمنابر الإعلامية العربية للأسف أصبحت تتحدث أيضا عن خطوة أحادية الجانب...مع العلم أننا لم نقم بأي خطوة، باستثناء أننا طرحنا فكرة. لماذا يطلب منا أن نبحث عن حل؟
الحل بالنسبة لنا هو توقف الاستيطان، وهو وارد في خارطة الطريق، نحن لم نضع قط شروطا لأننا لسنا في مستوى القوة التي تسمح لنا بوضع شروط على أحد.

 

أذكركم بالأقسام الثلاثة لخارطة الطريق:

أولا: التزامات إسرائيلية – فلسطينية - عربية، ثم رباعية.

ثانيا: الدولة ذات الحدود المؤقتة.

ثالثا: رؤية دولية للدولتين، التي تحدث عنها الرئيس الأميركي السابق جورج بوش، وانتهاء الاحتلال الذي وقع عام 1967....نحن نفذنا في القسم الأول كل ما هو مطلوب منا، بينما لم تنفذ إسرائيل المطلوب منها....حدود1967 وتوقف الاستيطان موجودان في خارطة الطريق، ونحن لم نطلب أي شيء جديد.

 

خلال المفاوضات مع أولمرت سألت كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية الأميركية السابقة عدة مرات حول ما هي الأرض التي يجب أن نتفاوض عليها؟. فكان جوابها: سأرد عليك في المرة المقبلة.

 

رايس اجتمعت يوم 30 يوليو (تموز) 2008 في وزارة الخارجية الأميركية في واشنطن، بتسيبي ليفني، وزيرة خارجية إسرائيل آنذاك، وصائب عريقات، وقالت لهما: الأرض المحتلة بمفهومنا هي قطاع غزة والضفة الغربية، ونقصد بالضفة الغربية، القدس الشرقية، والبحر الميت، ونهر الأردن، وهو ما أكدته لي رايس في لقاء لاحق.

 

وبالفعل بدأنا على أثر ذلك نحدد الأشياء، والتقيت بأولمرت، بيد أننا لم نتوصل إلى شيء، ولكننا وضعنا أسسا بحيث فتحنا الملفات الستة، وأضفنا ملفا سابعا يتعلق بالأسرى، وتحدثنا عن ملف اللاجئين بتفصيل ممل، وأيضا موضوع الحدود، والقدس والأماكن المقدسة، والأمن. وهذا هو الملف الوحيد (الأمن) الذي أنجزناه، والذي أنجزه هو الجنرال جيمس جونز.

 

أولمرت سألني آنذاك: إذا أردنا الانسحاب من الأراضي الفلسطينية، ما هو الضمان الأمني لذلك؟ فكان جوابي: "يكون هناك طرف ثالث يدربنا ويساعدنا". فرد أولمرت: "إن شاء الله لا تأتي لنا بإندونيسيا وماليزيا وتركيا". فقلت له مباشرة: "سأستقدم حلف الناتو". فأجاب: "لن يقبلوا". وأضفت: "أوروبا"، فقال: "أيضا لن يقبلوا". فقلت له: "اختر البلد الذي تريده بشرط واحد هو أن لا يكون هذا البلد هو إسرائيل، ولتمكث قواته المدة التي تريدها". ولما استقر الرأي على قوات الناتو، قال أولمرت: "لا بد أولا أن يقبل الأميركيون". بعد ذلك اتصلت هاتفيا بالرئيس بوش، الذي قال لي "إن هذه القوة ستقودها الولايات المتحدة"، فقلت له: "أوكي"، بيد أنني شددت على أن لا تكون ضمنها قوات إسرائيلية لأن الأمر سيصير احتلالا.

 

مصر والأردن تحفظتا آنذاك على هذه الخطوة، وكل شيء انتهى بخروج أولمرت من الحكومة، ومجيء نتنياهو الذي تنصل من حدود 1967 والوجود الدولي، ذلك أنه يريد وجودا إسرئيليا فقط، نحن والإسرائيليين على اتصال دائم وحوار متواصل وتنسيق بشأن كل القضايا باستثناء القضايا السياسية.

 

لا أوافق على يهودية الدولة، لنا أسبابنا، وعندما طرحت مسألة الاعتراف بإسرائيل على الرئيس الأميركي هاري ترومان عام 1948، وكتبوا له على مشروع الاعتراف (الاعتراف بالدولة اليهودية)، شطب بخط يده على كلمة (الدولة اليهودية) وكتب بدلها كلمة (إسرائيل). ومن ثم تم توزيع تلك الوثيقة على الصحافيين، اذا أين هي المرجعية الدولية التي تجعلنا نقبل بالدولة اليهودية؟.

 

قلت أكثر من مرة للرئيس الامريكي السابق جورج بوش إنه بإمكان الإسرائيليين أن يسموا أنفسهم كما يريدون ولكنني لن أقبل بدولة يهودية، مثلما يمكن للفلسطينيين أن يسموا دولتهم (الإمبراطورية الفلسطينية العظمى الحرة) رغم صغر مساحتها.

 

حول المصالحة الفلسطينية الداخلية:

السيد الرئيس: منذ انقلاب حماس العظيم، بدأ حوار في القاهرة استمر سنتين ونصف السنة، وتوج الحوار بوثيقة وضعها المصريون في أول أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، اطلع عليها خالد مشعل ومحمود الزهار، وكانت لهم بعض المواقف والآراء إزاءها، تم أخدها بعين الاعتبار، ثم جاءني الوزير المصري عمر سليمان ووزير الخارجية أحمد أبو الغيط، إلى عمان، وأبلغاني أن مصر ستسلمنا الوثيقة يوم 10 أكتوبر الماضي لإبداء الملاحظات وتوقيعها، وطلبا بأدب ألا نعيد فتح الوثيقة حتى لا تتم العودة إلى المربع الأول. على أن تتم قمة المصالحة يوم 25 أكتوبر الماضي.

 

رغم الملاحظات التي كانت لدينا على الوثيقة، طلبت من عزام الأحمد أن يسافر إلى القاهرة لتوقيعها لأن ما كان يهمني آنذاك ليس النصوص وإنما ما في النفوس. رغم أن الأميركيين اتصلوا بنا وطلبوا مني عدم التوقيع على الوثيقة، واخترنا التوقيع عليها لأن الوحدة الوطنية أثمن بكثير من أي شيء.

 

في الوقت الذي كنا نتوقع فيه وصول حماس إلى القاهرة في نفس اليوم، لم يتم ذلك، وقالت حماس إن لديها تحفظات ضمنها عدم التوقيع مع أبو مازن لأنه باع قضية تقرير غولدستون، وجرى وقتها الحديث عن فضيحة، وأرجعنا تقرير غولدستون إلى الأمم المتحدة في جنيف، قبل أن يسكتوا عن التقرير، ثم بدأوا يتحدثون على أن التوقيع يجب ألا يكون في القاهرة، وأنه ينبغي أن تكون هناك أكثر من دولة شريكة في اتفاق المصالحة، وكان جوابنا، هذه الوثيقة مجهود مصري ويجب أن تبقى في مصر، ويتم توقيعها في مصر، ولن نقبل أي بديل.

 

فهمنا بما لا يقبل مجالا للشك أن حماس لا تريد الوثيقة لأنها لا تريد الذهاب إلى الانتخابات، وطلبوا مني عبر رسل أن أضمن لهم إذا نجحوا في الانتخابات عدم فرض حصار عليهم، فقلت هم سيأخدون السلطة وأنا ما دخلي في الموضوع، فلتفادي الحصار بإمكانهم أن يتواءموا مع الشرعية الدولية، فهم لا يريدون الانتخابات، وهم قاعدون في الإمارة الإسلامية إلى ما شاء الله.

 

حول الحصار على غزة:

السيد الرئيس: ذاكرتنا أحيانا تكون ضعيفة، حينما قررت إسرائيل الانسحاب من غزة قالت إن المعابر تتطلب إبرام اتفاق بشأنها، ونوقش الاتفاق مع الوزيرة رايس، وتم التوقيع عليه بين أربع جهات، نحن، وإسرائيل، وأوروبا، وأميركا، ونصت حيثيات الاتفاق على أن الحرس الرئاسي الفلسطيني يكون موجودا، إضافة إلى رقابة أوروبية، وأخرى إسرائيلية، وحينما فتحت الحدود كان كل واحد بإمكانه الدخول والخروج بحرية، ومشت الأمور بشكل جيد، ولما صار انقلاب حماس غادر الحرس الرئاسي، وغادر الأوروبيون، وأغلقت إسرائيل المعبر، وهذا لا يعني أننا نعفي إسرائيل من المسؤولية أيضا، لكن هذا ما وقع بالفعل.

 

الضجة التي قامت حول المعبر مع مصر ضجة ظالمة ومفتعلة، قلت ذلك في مناسبات كثيرة بالدوحة وتركيا والكويت، وهي ضجة تشبه الضجة المفتعلة أيام العدوان، بحيث كانت إسرائيل تضرب، بينما تطالب مصر بفتح المعبر.

 

نرفض أن يكون هناك معبر دولي بين غزة ومصر لأننا نرفض أن تكون هناك دولة في غزة، قبل العدوان على غزة في 27 ديسمبر (كانون الأول) 2008، كانت هناك هدنة بين إسرائيل وحماس مدتها 6 أشهر، وأعلن الإسرائيليون أنه إذا لم تمدد الهدنة سيضربون غزة، وكانت وتيرة التهديدات تتزايد كل يوم، فطلبت من صائب عريقات أن يتصل بحماس ويطلب منهم تمديد الهدنة، واتصل بغازي حمد وقال له: يا غازي إذا أنتم لا تقرأون الصحف الإسرائيلية نحن نقرأها، وإسرائيل ستضربكم إذا لم تمددوا الهدنة، ولم ترد حماس على ما طلبناه منها، وقال غازي حمد لعريقات: ابحث الأمر مع الإخوة في دمشق، وسافر عريقات إلى الشام وتحدث مع المسؤولين السوريين لتبليغ الإخوة في حماس، بيد أننا لم نتلق أي رد، واتصلت بالرئيس بشار الأسد وعبرت له عن أمنياتي أن تعلن حماس التهدئة لأن الوضع خطير، ولم نتلق بعد ذلك أي رد، ولما صار العدوان صاروا هم يريدون التهدئة، واعتبروا إطلاق صاروخ على إسرائيل عملا غير وطني، بينما كنت أنا أقول إنها مسألة عبثية.

 

حول نسبة التفاؤل الذي ما زال لدى السيد الرئيس بشأن نجاح واشنطن في الوصول إلى حل نهائي، وماذا ينتظر منها، في ظل هذه الأجواء المظلمة السائدة:

السيد الرئيس: إننا لا ننتظر أحدا، لكننا نريد حلا مشرفا، فنحن في وضع صعب جدا، وهذا الظلام هو الذي دفعني إلى عدم الترشح للانتخابات الرئاسية، جئت للجلوس على هذا النيلة (مشيرا إلى كرسي الرئاسة) حتى أقدم خدمة للشعب، بيد أننا لم نقدر على عمل أي شيء.